خضير جعفر
64
الشيخ الطوسي مفسرا
الحركة العلميّة شوطا بعيدا عندما « أوقف قرية على كاغد الفقهاء » « 1 » ، هذا إلى جانب ما كان يقدم عليه المحسنون في بغداد من إنشاء المدارس ، ثم يوقفون عليها بعض أملاكهم لسدّ حاجات المدرّسين والطلبة « 2 » . كل هذه الأمور أوجدت حركة ثقافية وعلميّة ممتازة في بغداد شجّعت طلاب المعرفة إلى الهجرة إليها والاستزادة من علوم المدارس فيها ، وكان شيخنا الطوسي واحدا من بين العديدين من أولئك الذين آثروا الهجرة إلى بغداد والدراسة فيها . ولم يكتب لهذه الحياة الرغيدة أن تدوم إذ تكدّر صفو الأمن والهدوء في بغداد ، حيث إنّ الازدهار الثقافي والحركة العلميّة التي تمّت في أجواء الحريّة كانت قد أوجدت ردّة فعل معاكسة وخطيرة في نفوس السلفيّين الذين جهدوا للحيلولة دون نموّ التيار العقلي واستطاعوا فعلا إقناع السلطة الحاكمة آنذاك لأن تضيّق على رجال العلم وطلبة العلوم العقليّة بعد أن صدّقوا مقولات السلفيّين فيهم ، وعندها بدأت سياسة الإرهاب والكبت تأخذ طريقها إلى أكثر قطّاعات الامّة على أوسع نطاق ، بعد أن صعّد السلفيّون من حملتهم على طلبة العلوم واعتبروهم خطرا على الدين ، فأصبح اضطهادهم ومطاردتهم أمرا يتمّ تحت أعين السلطة وعلمها ، حيث بعث الخليفة القادر باللّه ( 381 - 422 ) إلى السلطان محمود الغزنوي « 3 » في بلاد فارس عام 408 ه ، يأمره ببثّ السنّة بخراسان « 4 » . ففعل ذلك وبالغ وقتل جماعة ونفى جماعة من المعتزلة « 5 » ، والرافضة « 6 »
--> ( 1 ) . الأفندي ، رياض العلماء ، ج 2 ، ص 222 . ( 2 ) خدابخش ، الحضارة الاسلاميّة ، ص 172 . ( 3 ) . محمود شريف ، العالم الإسلامي في العصر العباسي ، ص 474 ؛ حسن إبراهيم ، تاريخ الإسلام السياسي ، ج 3 ، ص 87 . ( 4 ) . القزويني ، آثار البلاد ، ص 361 . ( 5 ) . المعتزلة : هم أصحاب واصل بن عطاء الغزال الذي اعتزل مجلس الحسن البصري حول مسألة مرتكب الكبيرة ، والقائل بالمنزلة بين المنزلتين ، ويدّعي المعتزلة بأصحاب العدل والتوحيد والقدريّة ، انظر الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 57 . ( 6 ) . الرافضة : هم الذين رفضوا إمامة أبي بكر وعمر ، كما وأنّه اسم يطلق على الذين رفضوا إمامة زيد بن علي بن